الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
9
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا إيماء إلى أن إنزال الكتاب عليه نعمة كبرى تقتضي أن يقابلها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالشكر بإفراده بالعبادة ، وإيماء إلى أن إشراك المشركين باللّه غيره في العبادة كفر لنعمه التي أنعم بها ، فإن الشكر صرف العبد جميع ما أنعم اللّه به عليه فيما خلق لأجله ، وفي العبادة تحقيق هذا المعنى قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . فالمقصود من الأمر بالعبادة التوطئة إلى تقييد العبادة بحالة الإخلاص من قوله مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ، فالمأمور به عبادة خاصة ، ولذلك لم يكن الأمر بالعبادة مستعملا في معنى الأمر بالدوام عليها . ولذلك أيضا لم يؤت في هذا التركيب بصيغة قصر خلاف قوله : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [ الزمر : 66 ] لأن المقصود هنا زيادة التصريح بالإخلاص والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم منزه عن أن يعبد غير اللّه . وقد توهم ابن الحاجب من عدم تقديم المعمول هنا أن تقديم المفعول في قوله تعالى : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ في آخر هذه السورة لا يفيد القصر وهي زلّة عالم . والإخلاص : الإمحاض وعدم الشوب بمغاير ، وهو يشمل الإفراد . وسميت السورة التي فيها توحيد اللّه سورة الإخلاص ، أي إفراد اللّه بالإلهية . وأوثر الإخلاص هنا لإفادة التوحيد وأخصّ منه وهو أن تكون عبادة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ربه غير مشوبة بحظ دنيوي كما قال تعالى : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ * [ ص : 86 ] . والدين : المعاملة . والمراد به هنا معاملة المخلوق ربّه وهي عبادته . فالمعنى : مخلصا له العبادة غير خالط بعبادته عبادة غيره . وانتصب مُخْلِصاً على الحال من الضمير المستتر في فَاعْبُدِ . ولما أفاد قوله : مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ معنى إفراده بالعبادة لم يكن هنا مقتض لتقديم مفعول فَاعْبُدِ اللَّهَ على عامله لأن الاختصاص قد استفيد من الحال في قوله : مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ، وبذلك يبطل استناد الشيخ ابن الحاجب لهذه الآية في توجيه رأيه بإنكار إفادة تقديم المفعول على فعله التخصيص ، وتضعيفه لاستدلال أئمة المعاني بقوله تعالى : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ آخر السورة [ 66 ] بأنه تقديم لمجرد الاهتمام لورود فَاعْبُدِ اللَّهَ ، قال في « إيضاح المفصل » في شرح قول صاحب « المفصل » في الديباجة « اللّه أحمد على أن جعلني من علماء العربية » ، اللّه أحمد على طريقة إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] تقديما للأهم ، وما قيل : إنه للحصر لا دليل عليه والتمسك فيه بنحو بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [ الزمر : 66 ] ضعيف لورود